في عالمٍ تُقاس فيه الأعمال غالبًا بما يُرى ويُعلَن، يبقى الصيام عبادةً متفرّدة؛ جوهرها خفيّ، وميزانها عند الله وحده.
قد تُرى حركات الجسد في الصلاة، ويُسمع الذكر على اللسان، وتُلمس آثار الصدقة في واقع الناس٬ أمّا الصيام فحقيقته في باطن الإنسان: امتناعٌ عن شهوةٍ يقدر عليها، مراقبةٌ دائمة، وصدقٌ لا يشهد عليه إلا الله.
سرّ الاختصاص الإلهي
جاء في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» (متفق عليه).
تأمّل هذا الاختصاص: نسب الله الصوم إلى نفسه، لا لأن سائر العبادات ليست له، بل لأن الصيام أصفى من شوائب الرياء؛ إذ لا يطّلع على حقيقته إلا العليم بالسرائر.
فربّ صائمٍ بين الناس، لكن صدق امتناعه لا يعلمه إلا رب الناس٬ ومن هنا كان الجزاء مفتوحًا على فضلٍ لا يُحدّ بمقدار.
بين الإمساك الظاهر والإمساك الباطن
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ…. لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).
التقوى غاية الصيام؛ وهي حراسة القلب قبل حراسة الجوارح٬ فليس الصوم ترك الطعام والشراب فحسب، بل صون اللسان عن الأذى، والعين عن التطلّع المحرّم، والقلب عن الغفلة.
وقد نبّه النبي ﷺ إلى هذا البعد فقال: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (رواه البخاري).
إنه انتقالٌ من “ترك المباح” إلى “ترك ما لا يرضي الله”، ومن “جوع الجسد” إلى “شبع الروح”.
مدرسة المراقبة
الصيام تدريب يومي على الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
الصائم يختار الطاعة في الخلوة كما في الجلوة؛ لأن الباعث ليس نظر الناس بل نظر الله٬ ومن هنا تتربّى النفس على الاستقامة حين تغيب الرقابة، وعلى الصدق حين لا شاهد إلا الضمير.
فرحتان.. ومعنى يتجاوز اللحظة
قال ﷺ: «للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه» (متفق عليه).
فرحة الفطر ليست مجرّد انقضاء العطش، بل شعور بالوفاء بالعهد؛ يومٌ صُنِع في السرّ ثم أُعلِن شكره عند المغرب٬ أمّا الفرحة الكبرى فهي حين يرى الصائم ثمرة إخلاصه عند الله، حيث تتجلّى قيمة العمل الخفيّ الذي لا يضيع.
الصيام وتطهير المال والنفس
حين يُمسك الإنسان عمّا أُبيح له في الأصل، يلين قلبه ويستيقظ إحساسه بالآخرين٬ من هنا يتكامل الصيام مع الزكاة والصدقة: صيامٌ يزكّي النفس، وزكاةٌ تطهّر المال، وكلاهما يوسّع دائرة الرحمة في المجتمع.
قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (البقرة: 110).
أثر الصيام في ميزان الأخلاق
ليس الصائم معصومًا من الزلل، لكنه مدعوّ إلى سكينةٍ تُطفئ شرارة الغضب٬ قال ﷺ: «فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل إني صائم» (متفق عليه).
إنها لحظة وعيٍ تعيد توجيه الانفعال إلى تذكّر المقصد: عبادةٌ بين العبد وربه، تُصان من كل ما يجرح صفاءها.
ختام التأمل
الصيام عبادة السرّ التي تُربّي العلن٬ من صفا باطنه في الخلوة، استقامت جوارحه في الشهادة.
وفي زمنٍ يعلو فيه الضجيج، يذكّرنا الصيام بأن أعظم ما في الطريق إلى الله أعمالٌ لا يراها أحد.. لكنها تغيّر كل شيء.
رمضان فرصة لتجديد هذا المعنى: أن نجعل بيننا وبين الله عملًا خالصًا، نلقاه به، فيجزي عليه جزاءً لا يحدّه إلا فضله.
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: 10).